كتب- محمد سالم:
أعاد إعلان وزير الدفاع الأمريكي بيت هيجسيث تصنيف معاهد كونفوشيوس الصينية الموجودة داخل عدد من الجامعات الأمريكية باعتبارها تهديدًا للأمن القومي، الجدل مجددًا حول طبيعة هذه المؤسسات، وما إذا كانت مجرد مراكز لتعليم اللغة والثقافة الصينية، أم أنها تمثل إحدى أدوات النفوذ الصيني داخل المجتمع الأكاديمي الأمريكي.
وقال هيجسيث، أمس الجمعة، إن وزارة الدفاع الأمريكية أضافت معاهد كونفوشيوس إلى قائمة المؤسسات التي تعتبرها تهديدًا للأمن القومي، متهمًا هذه المراكز بالعمل داخل الجامعات الأمريكية تحت غطاء ثقافي وتعليمي، كما اتهم منظمات ظهرت بأسماء وهياكل مختلفة بمواصلة النشاط نفسه، بما في ذلك ما وصفه بمحاولات سرقة الملكية الفكرية والتأثير في الطلاب الأمريكيين.
وأضاف زير الدفاع الأمريكي أن البنتاجون تمكن خلال الشهرين الماضيين من تفكيك هذه المنظمات، في إطار حملة أوسع لمراجعة علاقات الجامعات الأمريكية بالمؤسسات الصينية.
• ما هي معاهد كونفوشيوس؟
معاهد كونفوشيوس هي مراكز تعليمية وثقافية أنشئت في جامعات ومؤسسات تعليمية خارج الصين، بالتعاون بين مؤسسات صينية وشركاء محليين.
وبحسب التعريف الرسمي للبرنامج، فإن الهدف المعلن لهذه المعاهد هو نشر اللغة الصينية وتعزيز فهم الثقافة الصينية، ودعم التعاون التعليمي والتبادل الثقافي بين الصين والدول الأخرى.
ولا تعمل هذه المعاهد باعتبارها جامعات مستقلة تمنح الطلاب درجات علمية مثل البكالوريوس أو الماجستير، وإنما تقدم برامج ودورات وخدمات تعليمية وثقافية داخل المؤسسات المضيفة.
وتشمل أنشطتها تدريس اللغة الصينية، وتدريب مدرسي اللغة، وإعداد وتطوير المواد التعليمية، وتنظيم برامج التبادل الثقافي، وإقامة أنشطة للتعريف بالثقافة الصينية، إضافة إلى إجراء اختبارات اللغة الصينية ومنح شهادات مرتبطة بها، فضلًا عن أنشطة بحثية واستشارية في مجالات التعليم والثقافة والاقتصاد.
• أحد المعاهد في مصر
وتوضح بيانات أحد المعاهد في مصر، وهو معهد كونفوشيوس بجامعة القاهرة، طبيعة هذه الأنشطة بصورة عملية، إذ يقدم دورات في اللغة الصينية بمستويات مختلفة، وبرامج للغة الصينية للأعمال، ودورات متخصصة، وإعدادًا لاختبارات HSK، إلى جانب تدريب المدرسين وتنظيم فعاليات ثقافية وإجراء اختبارات اللغة الصينية.
هناك 10 معاهد كونفوشيوس في الولايات المتحدة، من بينها معهد في جامعة St. Cloud State متوقف مؤقتًا لحين انتهاء مراجعة الجامعة، في حين تحدثت مواقع إخبارية عن إغلاق أو بدء إجراءات إغلاق 111 معهدًا سابقًا.
لكن ملف المعاهد لا ينتهي بمجرد إغلاقها؛ إذ تشير المنظمة نفسها إلى أن عددًا من الجامعات الأمريكية أنشأ برامج بديلة أو أعاد تنظيم العلاقات التي كانت قائمة مع الشركاء الصينيين تحت أسماء جديدة، وهو ما يمثل أحد أسباب استمرار الجدل في الولايات المتحدة حول ما تسميه واشنطن «النفوذ الصيني» في الجامعات.
• قضية أمن قومي
الجانب الأمريكي من القضية لا يتعلق بتدريس اللغة الصينية في حد ذاته، وإنما بالمؤسسات التي تقف خلف البرامج وطبيعة العلاقات بينها وبين الجامعات الأمريكية.
وترى جهات أمريكية أن ارتباط بعض هذه البرامج بجهات صينية حكومية أو شبه حكومية قد يمنح بكين وسيلة للتأثير في البيئة الأكاديمية، أو التأثير في الطريقة التي تُعرض بها بعض القضايا المتعلقة بالصين، أو الوصول إلى بيئة جامعية تضم أبحاثًا وطلابًا ومعلومات يمكن أن تكون ذات أهمية استراتيجية.
وكانت الولايات المتحدة قد فرضت خلال السنوات الماضية قيودًا على بعض أشكال التعاون مع مؤسسات صينية، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بأبحاث حساسة أو بجامعات ومختبرات مصنفة على قوائم مرتبطة بمخاطر الأمن القومي.
وتأتي تصريحات هيجسيث الحالية في وقت تشهد فيه العلاقات الأكاديمية والعلمية بين واشنطن وبكين توترًا متزايدًا، مع استمرار الخلاف حول نقل التكنولوجيا والأبحاث المتقدمة والذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات.
• مؤسسات أمريكية في الصين؟
توجد في الصين مؤسسات وبرامج تعليمية وأكاديمية مرتبطة بجامعات أمريكية، وبعضها يأخذ شكل شراكات جامعية رسمية بين مؤسسات صينية وأمريكية.
ومن أبرز النماذج جامعة نيويورك شنغهاي، وجامعة ديوك كونشان، وجامعة ونتشو-كين، إضافة إلى مدرسة جويليارد تيانجين، وهي مشروعات تعليمية مشتركة بين مؤسسات أمريكية ونظيراتها الصينية.
كما توجد شراكات أكاديمية وبرامج تبادل ودراسة بين جامعات أمريكية وصينية. وتوضح دراسة لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية أن الصين كانت تضم، حتى عام 2021، آلاف برامج ومؤسسات التعليم المشترك بين الجامعات الصينية ومؤسسات أجنبية، بينها عدد من المؤسسات المشتركة مع جامعات أمريكية.
ومن هنا يظهر سؤال مشروع: إذا كانت واشنطن تنظر إلى وجود مؤسسات تعليمية صينية في جامعاتها من زاوية الأمن القومي، فهل يمكن تطبيق المعيار نفسه على المؤسسات الأمريكية الموجودة في الصين أو في دول أخرى؟
المفارقة في الجدل الحالي أن واشنطن وبكين تستخدمان التعليم العالي والتبادل الأكاديمي كجسر للتواصل الدولي، لكنهما تنظران إلى الجسر نفسه من زاويتين مختلفتين عندما يتعلق الأمر بالخصم الاستراتيجي.
فالصين تقول إن معاهد كونفوشيوس تهدف إلى نشر اللغة والثقافة وتعزيز التفاهم بين الشعوب، بينما ترى أطراف أمريكية أنها يمكن أن تتحول إلى أدوات نفوذ وتأثير.
وفي المقابل، تمتلك الولايات المتحدة جامعات وبرامج تعليمية وشراكات في دول عديدة حول العالم، وتقدم هذه المؤسسات تعليمًا وبحثًا وتبادلًا ثقافيًا، لكنها قد تكون أيضًا جزءًا من القوة الناعمة الأمريكية، مثلما تمثل المؤسسات الصينية جزءًا من القوة الناعمة الصينية.
تصنيف معاهد كونفوشيوس كتهديد للأمن القومي الأمريكي يمثل قرارًا سياسيًا وأمنيًا أمريكيًا، لكنه لا يعني أن كل نشاط تقدمه هذه المعاهد، مثل تعليم اللغة الصينية أو تنظيم الفعاليات الثقافية، يمثل في حد ذاته تهديدًا أمنيًا.
ويظل مستقبل التعاون الأكاديمي بين الولايات المتحدة والصين مرتبطًا بقدرة الطرفين على إيجاد توازن بين الانفتاح العلمي من جهة، وحماية الأبحاث والتكنولوجيا والأمن القومي من جهة أخرى.
admin
التعليقات (0)