2026/09/05
بث تجريبي
إعلان

«الخضرة تتشال.. والأكشاك تتمدد»: المساحات الخضراء في القاهرة.. تراجع بالأرقام وأسئلة عن الحرارة والصحة النفسية

«الخضرة تتشال.. والأكشاك تتمدد»:  المساحات الخضراء في القاهرة.. تراجع بالأرقام وأسئلة عن الحرارة والصحة النفسية

>>| مصر الجديدة فقدت 272 ألف متر مربع وشرق مدينة نصر 311 ألف متر مربع من مساحاتهما الخضراء بين 2017 و2020

>>| القاهرة فقدت نحو 910 آلاف متر مربع من المساحات الخضراء خلال 3 سنوات
>>| الدراسات تشير إلى دور المساحات الخضراء في تخفيف الحرارة ودعم الراحة النفسية
>>| الإسفلت والخرسانة يمتصان أشعة الشمس ويخزنان الحرارة والأشجار والمساحات الخضراء تقلل الآثار 


كتب- محمد سالم:


لم تعد المساحات الخضراء في القاهرة مجرد عنصر جمالي في الشوارع والميادين، فمع ارتفاع درجات الحرارة وتزايد الكثافة العمرانية والسكانية، أصبحت الأشجار والحدائق جزءا من قدرة المدينة على مواجهة الحرارة وتحسين البيئة وجودة الحياة.
لكن ماذا حدث بالفعل لمساحات الخضرة؟ وهل تكشف الأرقام عن تراجع يمكن قياسه؟ وما الذي يمكن أن يعنيه هذا التراجع بالنسبة لحرارة المدينة وراحة سكانها؟

• حكاية شارع جامعة الدول

أمس كتب الصحفي والزميل عيسى جاد الكريم على صفحته منشورا يلوم فيه الحكومة، على قطع الأشجار وإزالة المساحات الخضراء والحدائق في شارع جامعة الدول؛ وتحويلها إلى أرصفة يبنى عليها أكشاك، ثم يتم تأجيرها لمحلات، ووصفى جاد الكريم الأمر بأنه «شيء زى الزفت ».
يحكي جاد الكريم «والله من كام يوم رحت شفت الشجر بـ يتقلع ومفيش ولا وزارة البيئة متحركة ولا الزراعة ولا حتى جمعية محافظة على البيئة شيء محزن، الخضرة تتشال لصالح الأكشاك، المساحة الخضراء اللى في منتصف شارع جامعة الدول كانت متنفس، للي معندوش متنفس أو قاعد يستريح من ضغوط الشغل والحياة وحتى العائلات البسيطة ».
وتابع الصحفي عيسى جاد الكريم: «فكرة عدم وجود مساحات خضراء يؤثر علي أخلاق الناس وكمان سلوكها ارحموا الناس مش كل حاجة بقت تجارة ».

الواقعة تطرح سؤالًا أكبر من حدود شارع أو مشروع بعينه: كم مساحة خضراء فقدتها القاهرة خلال السنوات الماضية؟ وإلى أين ذهبت؟
والإجابة لا يمكن أن تعتمد على الصور والانطباعات وحدها، وإنما على الأرقام والدراسات.

• 910 آلاف متر مربع في 3 سنوات

دراسة أكاديمية بعنوان «كمية وتوزيع المساحات الخضراء العامة في القاهرة»، أعدتها الباحثتان داليا علي وبرنكا ديميترييفيتش، ورُصدت فيها بيانات المساحات الخضراء في القاهرة، كشفت فقدان نحو 910,894 مترًا مربعًا بين عامي 2017 و2020.

وتراجعت المساحة التي شملها الرصد من نحو 7.83 مليون متر مربع عام 2017 إلى 6.92 مليون متر مربع عام 2020، بينما انخفض نصيب الفرد من هذه المساحات من 0.87 إلى 0.74 متر مربع.




وكانت الخسائر أكثر وضوحًا في بعض المناطق؛ إذ فقدت مصر الجديدة 272,274 مترًا مربعًا، بينما فقد شرق مدينة نصر 311,283 مترًا مربعًا خلال الفترة نفسها.

ولا تتعلق المشكلة بالكمية فقط، وإنما أيضًا بعدالة توزيع الخضرة داخل المدينة؛ فالدراسة وجدت أن 22 منطقة من أصل 37، يعيش فيها نحو 66% من سكان القاهرة، كان نصيب الفرد فيها عام 2020 أقل من نصف متر مربع من المساحات الخضراء.

• القاهرة الكبرى خلال 39 عامًا

دراسة أخرى أحدث، أعدها الباحثان وليد عبد اللطيف وكريم قطب طحون من جامعة القاهرة، اعتمدت على الاستشعار عن بعد ونظم المعلومات الجغرافية لرصد تغير المساحات الخضراء في إقليم القاهرة الكبرى بين عامي 1984 و2023.

وبحسب نتائج الدراسة، تراجعت المساحات الخضراء المقدرة من نحو 67.17 مليون متر مربع عام 1984 إلى 45.65 مليون متر مربع عام 2023، بفقدان يقدر بنحو 21.52 مليون متر مربع خلال 39 عامًا.

كما انخفض نصيب الفرد من المساحات الخضراء من 5.37 متر مربع عام 1984 إلى 1.73 متر مربع عام 2023، بانخفاض يقارب 68%. وقدرت الدراسة متوسط فقد المساحات الخضراء بنحو 131.4 فدان سنويًا خلال الفترة محل الدراسة.





• أين ذهبت المساحات الخضراء؟

لا توجد إجابة واحدة، فبعض حالات إزالة الأشجار أو تقليص المساحات الخضراء ارتبطت خلال السنوات الماضية بأعمال طرق ومحاور ومشروعات بنية أساسية وتطوير عمراني، بينما ارتبطت حالات أخرى باستخدامات تجارية أو خدمية.

• هل الخضرة تخفف حرارة القاهرة؟

الإجابة العلمية: نعم، ولكن بصورة محلية تختلف من مكان إلى آخر.
الأشجار والمساحات الخضراء توفر الظل، وتساعد على تبريد البيئة من خلال التبخر والنتح، ويمكن أن تخفف من درجات الحرارة السطحية والحرارة التي يشعر بها الإنسان في المناطق المحيطة بها.

وتشير مراجعات علمية إلى أن الغطاء النباتي يمكن أن يحد من تأثير «الجزيرة الحرارية الحضرية»، وهي الظاهرة التي تكون فيها المناطق العمرانية أكثر حرارة من المناطق المحيطة الأقل عمرانًا. ومن أهم الآليات التي تفسر ذلك التظليل والتبخر والنتح.

وفي المقابل، تمتص الأسطح العمرانية مثل الإسفلت والخرسانة جزءًا كبيرًا من الإشعاع الشمسي وتخزنه، ثم تطلق الحرارة لاحقًا، بينما تسهم كثافة المباني والأنشطة البشرية في زيادة الحرارة داخل المدن.

لكن المهم هنا ألا نقول إن إزالة شجرة أو حديقة بمفردها هي سبب ارتفاع حرارة القاهرة؛ فالحرارة الحضرية تتأثر بعوامل كثيرة، من بينها شكل المدينة وكثافة المباني والأسطح ونمط حركة الهواء والأنشطة البشرية.

المؤكد أن فقدان الغطاء النباتي يعني فقدان إحدى أدوات المدينة الطبيعية لتخفيف الحرارة، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى وسائل التكيف مع موجات الحر.

وماذا عن الضغط النفسي؟

لا تقتصر قيمة المساحات الخضراء على الحرارة، مراجعات علمية واسعة بحثت العلاقة بين المساحات الخضراء والراحة النفسية، ووجدت ارتباطات إيجابية بين التعرض للمساحات الخضراء وتحسن الشعور النفسي، مع التأكيد على أن قوة العلاقة تختلف بحسب نوع المساحة الخضراء وإمكانية الوصول إليها وطريقة استخدامها.
كما تشير مراجعة أحدث إلى أن خصائص المساحات الخضراء في المدن يمكن أن ترتبط بالسعادة والراحة النفسية، وإن كانت قوة هذه العلاقة تتأثر بعوامل اجتماعية واقتصادية وسكانية مختلفة.




• لسنا ضد التطوير ولكن أين البديل؟

لا يعني الحديث عن تراجع المساحات الخضراء أن كل مشروع طريق أو تطوير عمراني يمثل خطأ.
فالمدن تحتاج إلى الطرق ومحطات النقل والخدمات، وبعض المشروعات قد تفرض بالفعل تغييرًا في استخدام أجزاء من المساحات العامة.
لكن السؤال الذي يستحق الإجابة هو، هل جرى تقليل الفقد إلى أدنى حد، وهل كانت هناك بدائل أقل تأثيرًا على الأشجار والمساحات الخضراء؟
وإذا أزيلت أشجار أو مساحات خضراء، فهل جرى تعويضها؟ وأين؟ وبأي مساحة؟ وهل يمكن اعتبار التعويض مساويًا لما فقدته المنطقة فعلًا؟

ماذا تخسر القاهرة؟

الأرقام المتاحة ترسم صورة لا يمكن تجاهلها.
دراسة أكاديمية رصدت فقدان نحو 910 آلاف متر مربع من المساحات الخضراء في القاهرة بين 2017 و2020، مع خسائر كبيرة في مصر الجديدة وشرق مدينة نصر.
ودراسة أخرى تمتد إلى 39 عامًا تشير إلى تراجع المساحات الخضراء في القاهرة الكبرى بنحو 21.5 مليون متر مربع بين 1984 و2023، بالتزامن مع انخفاض نصيب الفرد بصورة كبيرة.
وفي المقابل، تؤكد الدراسات المناخية أن الأشجار والمساحات الخضراء يمكن أن تسهم في تخفيف الحرارة محليا، بينما تشير الدراسات العلمية إلى ارتباطها بعدد من جوانب الصحة النفسية وجودة الحياة.


إعلان
شارك الخبر:

التعليقات (0)